العيني
22
عمدة القاري
رسول من ورائي من قومي ) . وإن هذا إخبار ، وهو اختيار البخاري ، ورجحه القاضي عياض ، وقال جماعة أخرى : لم يكن مسلماً وقت قدومه ، وإنما كان إسلامه بعده ، لأنه جاء مستثبتاً . والدليل عليه ما في حديث ابن عباس ، رواه ابن إسحاق وغيره ، وفيه : ( أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة ) . . . الحديث ، وفي آخره : ( حتى إذا فرغ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ) ، وأجابوا عن قوله : آمنت ، بأنه انشاء وابتداء إيمان ، لا إخبار بإيمان تقدم منه ، وكذلك قوله : ( وأنا رسول من ورائي ) ورجحة القرطبي لقوله في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره : فإن رسولك زعم . قال : والزعم : القول الذي لا يوثق به . قاله ابن السكيت وغيره : وقال بعضهم : فيه نظر ، لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضاً ، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ، ثعلب . قلت : أصل وضعه ، كما قاله ابن السكيت ، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة ، وأجابوا أيضاً عن قولهم : إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه ، بأنه لا يلزم من تبويب البخاري ما ذكروه ، لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه ، أعم من أن يكون تقدمت له ، أو أبتدأ الآن على الشيخ بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره ، وقالوا : قد بوب أبو داود عليه باب المشرك يدخل المسجد . وهو أيضاً يدل على أنه لم يكن مسلماً قبل قدومه . وقد مال الكرماني إلى مقالة الأولين حيث قال : فإن قلت : من أين عرف حقيقية كلام الرسول ، عليه السلام ، وصدق رسالته ، إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة ؟ وهذا الإيمان لا يفيد إلاَّ تأكيداً وتقريراً ؟ قلت : الرجل كان مؤمناً عارفاً بنبوته ، عالماً بمعجزاته قبل الوفود ، ولهذا ما سأل إلاَّ عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس ، وعن شرائع الإسلام . قلت : عكسه القرطبي فاستدل به على إيمان المقلد بالرسول ، ولو لم تظهر له معجزة ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح . قوله : ( وانا ضمام ابن ثعلبة ) ، بكسر الضاد المعجمة ، وثعلبة ، بالثاء المثلثة المفتوحة والباء الموحدة ، أخو بني سعد بن بكر السعدي ، قدم على النبي ، عليه السلام ، بعثه إليه بنو سعد ، فسأله عن الإسلام ، ثم رجع إليهم فأخبرهم به فاسلموا . وقال ابن عباس : ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام ابن ثعلبة . قال ابن إسحاق : وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع ، وهو قول أبي عبيدة والطبري وغيرهما ، وقال الواقدي : كان سنة خمس ، وهو قول محمد بن حبيب ، وفيه نظر من وجوه الأول : أن في رواية مسلم أن ذلك كان حين نزل النهي في القرآن عن سؤال الرسول ، عليه السلام ، وآية النهي في المائدة ، ونزولها متأخر . الثاني : أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام ، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ، ومعظمه بعد فتح مكة ، شرفها الله . الثالث : أن في حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم ، ولم يدخل بنو سعد بن بكر بن هوازن في الإسلام إلاَّ بعد وقعة حنين ، وكانت في شوال سنة ثمان . قوله : ( أخو بني بن سعد بن بكر ) بن هوازن ، وهم أخوال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، وفي العرب سعود قبائل شتى ، منها : سعد تميم ، وسعد هذيل ، وسعد قيس ، وسعد بكر هذا . وفي المثل : بكل واد بنو سعد . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : قال ابن الصلاح . فيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون ، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق ، جزماً من غير شك وتزلزل ، خلافاً للمعتزلة ، وذلك أنه ، عليه الصلاة والسلام ، قرر ضماماً على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته ، وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ، ولم ينكره عليه ، ولا قال له : يجب عليك معرفة ذلك بالنظر إلى معجزاتي ، والاستدلال بالأدلة القطعية . الثاني : قال ابن بطال : فيه قبول خبر الواحد ، لأن قومه لم يقولوا له : لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر . الثالث : قال أيضاً : فيه جواز إدخال البعير في المسجد ، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها ، إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد . قلت : هذا احتمال لا يحكم به في باب الطهارة ، على أنا قد بينَّا أن المراد من قوله : ( في المسجد ) في الحديث في رحبة المسجد ، ونحوها . الرابع : فيه جواز تسمية الأدنى للأعلى دون أن يكنيه ، إلاَّ أنه نسخ في حق الرسول ، عليه السلام : بقوله تعالى : * ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ) * ( النور : 63 ) . الخامس : فيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس . السادس : فيه ما كان للنبي ، عليه السلام ، من ترك التكبر ، لقوله : ( ظهرانيهم ) . السابع : فيه جواز تعريف الرجل بصفة من البياض والحمرة ، والطول والقصر ، ونحو ذلك . الثامن : فيه الاستحلاف على الخبر لعلم اليقين ، وفي مسلم : ( فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : نعم ) التاسع : فيه التعريف